فوزي آل سيف
48
معارف قرآنية
أنّ القرآن الكريم ليس ككتاب ألف ليلة وليلة ، ولكنّ غاية القصص القرآني ( ما نثبّت به فؤادك )[82] ! موضع العبرة يأتي به القرآن في الآية فتراه لا يذكر بعض الأسماء أو التواريخ تارة لأنها غير مهمة في هذا الجانب ، وأحيانًا لا يأتي بجانب القصة الأول لأنّ غرضه استنباط العبرة في القسم الأخير منها ، فمثلا إذا أراد شرح كيف تنحرف المجتمعات بعد غياب قائدها فيأتي بقصة نبي الله موسى بعد ذهابه إلى ميقات ربه ،! وهذه كانت مشكلة بعض هؤلاء المستشرقين الذين لم يحيطوا بآداب اللغة العربية وبيانها، فبعض العرب الأقحاح الذين عاشوا في بيئة عربية لا يتوجّهون لبلاغة اللغة إلا بالدراسة والتحقّق والتوجّه ، فكيف بمن لمن تكنْ العربية لغته الام! مثال ذلك عندنا في اللغة العربية والبلاغة ( بحث الالتفات)، وهو من الأساليب البلاغية المتقدمة ويستخدمه الشعراء الفحول الكبار وهو عبارة عن تحدّث المتكلم بصيغة الغائبين ثم يتغيّر بخطابه لصيغة الحاضر ، فهو تارة يتكلّم عن نفسه ثم يغيّر الخطاب لصيغة الغائبين ، ويعتبر هذا من أساليب البلاغة المتقدمة ويساعد في رفع السأم عن السامعين وهو أسلوب متفّقٌ على بلاغته عند العرب. لكن المستشرقين لا يلتفتون إلى ذلك ويذمّون هذا الأمر ومثال ذلك في القرآن الكريم: 1/ قوله تعالى ( وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ )[83] والمفروض أن يُقال في ذيل الآية (وإليه أرجع ) أو ( أنا راجع ) فالقرآن الكريم هنا استخدم أسلوب الالتفات حيث كان يتحدّث المتكلم عن نفسه ثم غيّر الخطاب الى السامعين وغيرها من متكلم (فطرني) إلى (ترجعون) ، فكانت الصيغة أحسن وأفضل وأشرك السامعين في كلامه بينما لو قال (إليه أنا راجع) لقال السامعون وما دخلنا في هذا! 2/ قول الله تعالى ( وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا )[84] يتحدّث عن الأبرار بصيغة الغائب ، ثم يخاطبهم ( إِنَّ هَٰذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُم مَّشْكُورًا ) بينما هو يتكلم عن جماعة يفترض أنّهم غائبون ثم نقل الخطاب وكأنّهم أمامه! 3/ قوله تعالى: ( حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ )[85] وليس ( بكم ) . ولكنّ المستشرق لغته لا تساعده على فهم ذلك ، و تبحّره القليل في قوانين العربية لا يعينه على الفهم ، وهي مشكلة بالإضافة إلى المشكلة العقائدية والانطلاق من منطلق الطعن فيه ومواجهته. دوافع وأهداف أخرى للمستشرقين
--> 82 ) هود / 120 83 ) يس / 22 84 ) الانسان / 21ـ 22 85 ) يونس / 22